حبيب الله الهاشمي الخوئي
278
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
هذا كلَّه فضله ولطفه واحسانه عليك مع عصيانك وطغيانك ( فما ظنك به لو أطعته ) وكيف يؤيسك من كرمه مع طاعتك وقد قال * ( ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ويَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * أم كيف يحرمك من نعمه مع توكَّلك عليه وقد قال * ( ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُه ) * أم كيف ينقص عطائه وحبائه مع شكرك وذكرك وقد قال * ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) * . ثمّ أكَّد جذبهم إلى التّعبد والطاعة بأبلغ بيان وأحسن تقرير وعبارة فقال ( وأيم اللَّه لو أنّ هذه الصّفة ) الَّتي ذكرت من إقبال اللَّه عليك وتولَّيك عنه ( كانت في ) متماثلين من الناس ( متّفقين في القوّة متوازنين في القدرة ) متساويين في الدّرجة والرّتبة وكنت أنت أحدهما ( لكنت ) لو أنصفت ( أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ومساوى الأعمال ) حيث إنّه أقبل وتولَّيت ، وتحبّب وتعاديت ، ووصلك فقطعت ، وتدانى فتباعدت فكيف إذا كان الطرف المقابل هو اللَّه القاهر القادر مالك الملوك ربّك وربّ العالمين كلَّهم ، فحكومتك على نفسك وتعزيرك عليها حينئذ أولى وأحجى . ثمّ لما كان منشاء اغترار الغافلين العصات المخاطبين المسؤولين بخطاب ما غرّك بربّك الكريم وعلَّة إعراضهم عنه تعالى وتولَّيهم عن ذكره عزّ وجلّ هو الاغترار بالدّنيا والافتتان بشهواتها ولذّاتها وامنيّاتها حسبما يشهد به التّجربة والوجدان ونطق به القرآن في قوله * ( يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى ولكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * وقوله * ( اتَّخَذْتُمْ آياتِ الله هُزُواً وغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها ولا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) * وغيره من الآيات الكريمة . نبّه على وهن هذه العلَّة وضعفها بقوله ( وحقّا أقول ما الدّنيا غرتك ) يعنى انها ليست علَّة تامّة قويّة للاغترار ( ولكن ) علَّة مادّية ضعيفة سخيفة بنقصان عقلك ( بها اغتررت ) كما اغترّ بها كلّ ناقص العقل فاتّصافك بالاغترار بها حقيقة واتّصافها بالغرور لك مجاز وإسناد الأول إليك أصدق وأجدر من إسناد الثاني إليها . وأوضح عدم كونها سببا تامّا للغرور بالتّنبيه على اتّصافها بضدّه من النصح